الشيخ حسين الحلي

179

أصول الفقه

الخارج أنّ الرمّان قسم منه غير حامض وقسم منه حامض ، وحينئذٍ لا بدّ من التقييد للرمّان بأنّه الحامض ، وهذا التقسيم فيما نحن فيه ليس بمعلوم من الخارج ، إلّا بالنظر إلى أخبار البراءة وإلى دليل الاحتياط في موارد العلم الاجمالي ، وفي الشبهة قبل الفحص ، وفي موارد الاحتياط الشرعي كالدماء والفروج ، فبالنظر إلى أخبار البراءة وإلى أدلّة الاحتياط تكون الشبهة على قسمين : منجّزة وغير منجّزة ، والأُولى يحتمل فيها العقاب ، والثانية لا يحتمل . وبناءً على ذلك لا تكون في البين حكومة ، بل تكون لنا أدلّة ثلاثة : دليل البراءة ، ودليل الاحتياط في الموارد المذكورة ، وهذا الدليل أعني قوله : « قف عند الشبهة فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام بالهلكة » بناءً على استفادة التقييد من التعليل بما إذا كانت الشبهة محتملة للعقاب ، وهي موارد الدليل الثاني ، وحينئذٍ لا يكون بين هذه الأدلّة تعارض كي تتأتّى الحكومة أو طريقة التخصيص ، ولكن كلّ ذلك متوقّف على تحقّق ذلك التقسيم من الخارج ، فالأولى هو النظر إلى نفس الدليل الثالث الذي يفيد العموم لكلّ شبهة ، فإنّ مفاده في حدّ نفسه هو أنّ كلّ شبهة يحتمل فيها العقاب ، لكن الأدلّة الأُولى وهي مفاد البراءة بعد تخصيصها بالأدلّة الثانية تكون أخصّ من الدليل الثالث ، فتقدّم عليه تخصيصاً لا حكومة ، فلاحظ وتدبّر . لا يقال : كما أنّ أخبار البراءة قد خرج منها الشبهات المنجّزة - أعني الشبهة قبل الفحص ، والشبهة في أطراف العلم الاجمالي ، والشبهة في الدماء والفروج - فكذلك أخبار التوقّف والتثليث « 1 » قد خرج منها الشبهة الوجوبية والشبهات

--> ( 1 ) أخبار التثليث ، منها : ما في مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الخبرين المتعارضين بعد الأمر بالأخذ بالمشهور منهما وترك الشاذّ النادر معلّلًا بقوله عليه السلام : « فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه » وقوله عليه السلام : « إنّما الأُمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه ( علمه ) إلى اللَّه ورسوله ، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم » [ وسائل الشيعة 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1 ، 157 / ب 12 ح 9 ] . ومنها : ما عن أمير المؤمنين عليه السلام في مرسلة الصدوق : « أنّه خطب وقال : حلال بيّن وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك ، والمعاصي حمى اللَّه ، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها [ وسائل الشيعة 27 : 161 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 27 ] . ومنها : ما عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : « قال جدّي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله - في حديث يأمر بترك المشتبهات بين الحلال والحرام - : من رعى غنمه قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى ، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى ألا وإنّ حمى اللَّه محارمه [ وسائل الشيعة 27 : 169 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 52 ( مع اختلاف يسير ) ] . ومثل ذلك قوله عليه السلام في رواية الفضيل بن عياض : « قال قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : من الورع من الناس ؟ قال عليه السلام : الذي يتورّع من محارم اللَّه ويجتنب هؤلاء ، فإذا لم يتّق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه » [ وسائل الشيعة 27 : 162 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 30 ] ولسانها ظاهر في الاستحباب ، ولو حملت على الوجوب كانت مختصّة بالشبهات المنجّزة كما شرحناها في غيرها [ منه قدس سره ] .